السيد كمال الحيدري
229
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
ويميل قطّاع واسع منهم عملياً إلى تسويغ حالة التأخّر والاستكانة والضعف تحت هذه التعلة . وواقع إشكالىّ كهذا لا ينفع فيه الأسلوب النقضى ، لأنّ إغلاق المسألة جدليّاً بالنقض وبالإسكات والإفحام ، لا يعنى التخلّص منها نظرياً على مستوى الوعي والإدراك أو معالجة آثارها السلبية على أرض الواقع . لذلك كلّه لجأ مطهّرى إلى المعالجة التحليلية العميقة ذات الطابع التأسيسى ، مارّاً بالمسار العريض نفسه الذي سار فيه من سبقه ممّن أشرنا لهم فيما مضى . فالقضاء والقدر هما تعبير عن النظام السببى ومجرى لحركة العلل بل هما عينهما ، ومن ثمّ فهما لا يوجبان شيئاً آخر من خارج هذا النظام : « القضاء والقدر لا يوجب شيئاً إلّا من خلال مجرى العلل والأسباب » « 1 » . في ضوء هذا الفهم الراكز تكون « كلّ القوانين والسنن القطعية مظاهر ومجاري للقضاء والقدر الإلهى » « 2 » . وما دون ذلك من أنماط التفكير وأنساقه لا يعدو أن يكون خرافة وحسب : « إنكار التلاحم بين الأسباب والمسبّبات ومنها الطاقات الإنسانية والإرادة والاختيار ، تجعل من مثل هذا القضاء والقدر خرافة يستحيل وجودها بالأدلّة القاطعة » « 3 » . بيدَ أنّ السؤال المحيّر : إذا كانت عقيدة القضاء والقدر بهذا الوضوح فلماذا تحوّلت إلى معضل فكرى وإشكال اجتماعي حتّى تصوّر بعضهم أنّ لازم الاعتقاد بالقضاء والقدر أن يجد الإنسان نفسه مكبّلًا مجبوراً ، فينسى دوره في إيجاد الحياة الأفضل للمجتمع وتكوينها وبنائها ، ويقضى عمره منتظراً القضاء المحتّم ؟ « 4 » بقدر ما يتعلّق الأمر بالجانب النظري بعيداً عن الدوافع السياسية
--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 105 . ( 2 ) الإنسان والقضاء والقدر ، مصدر سابق ، ص 98 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 71 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 108 .